محمد بن جرير الطبري
251
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
إلا أو معنى حتى كما يقال في الكلام : لأضربنك أو تقر لي ، فمن العرب من يجعل ما بعد أو في مثل هذا الموضع عطفا على ما قبله ، إن كان ما قبله جزما جزموه ، وإن كان نصبا نصبوه ، وإن كان فيه لام جعلوا فيه لاما ، إذ كانت أو حرف نسق . ومنهم من ينصب ما بعد أو بكل حال ، ليعلم بنصبه أنه عن الأول منقطع عما قبله ، كما قال امرؤ القيس : بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه * وأيقن أنا لاحقان بقيصرا فقلت له : لا تبك عينك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا فنصب نموت فنعذرا وقد رفع نحاول ، لأنه أراد معنى : إلا أن نموت ، أو حتى نموت ، ومنه قول الآخر : لا أستطيع نزوعا عن مودتها * أو يصنع الحب بي غير الذي صنعا وقوله : فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين الذين ظلموا أنفسهم ، فأوجبوا لها عقاب الله بكفرهم وقد يجوز أن يكون قيل لهم : الظالمون لعبادتهم ، من لا تجوز عبادته من الأوثان والآلهة ، فيكون بوضعهم العبادة في غير موضعها إذ كان ظلما سموا بذلك ظالمين . وقوله : ولنسكننكم الأرض من بعدهم هذا وعد من الله من وعد من أنبيائه النصر على الكفرة به من قومه ، يقول : لما تمادت أمم الرسل في الكفر ، وتوعدوا رسلهم بالوقوع بهم ، أوحى الله إليهم بإهلاك من كفر بهم من أممهم ووعدهم النصر . وكل ذلك كان من الله وعيدا وتهديدا لمشركي قوم نبينا محمد ( ص ) على كفرهم به وجرأتهم على نبيه ، وتثبيتا لمحمد ( ص ) وأمرا له بالصبر على ما لقي من المكروه فيه من مشركي قومه ، كما صبر من كان قبله من أولي العز من رسله ، ومعرفه أن عاقبة أمر من كفر به الهلاك وعاقبته النصر عليهم ، سنة الله في الذين خلوا من قبل .